المتابعون للمدونة

الاثنين، 17 سبتمبر 2012

كاتب الأمصال وكاتب الفيروسات (2)

كاتب الأمصال وكاتب الفيروسات!
(2)
كاتب الأمصال!

لقد قدم د. (نبيل فاروق) ود. (أحمد خالد) خدمة جليلة للأجيال العربية الجديدة، برغم أنّ كليهما يحمل بعض الأفكار المخالفة للشريعة الإسلامية.
هذه الخدمة، تتمثّل في أن كتاباتهما عملت كعازل ضد الكتابات التغريبية والعلمانية.
في يوم ما كان الفتى (نبيل فاروق) مضطرا أن يبحث عن كتّاب غربيين ليقرأ الخيال العلمي، وكان الفتى (أحمد خالد) مضطرا أن يبحث عن كتّاب غربيين ليقرأ أدب الرعب.. ونحن نعرف أن الكلمة وعاء الفكر، والفكر سم في العسل، مقدّم في قالب جذاب لعقول يافعة ليدخل كلبنات في تكوينها المبكر.
لكن جيلي كان أسعد حظا منهما، فقد وجد أمامه أكثر من 1000 رواية عربية في الخيال العلمي والمغامرات البوليسية والرعب ضمن روايات مصرية للجيب، بحيث لم يجد وقتا أصلا ليقرأ لكتّاب غربيين، أو حتّى لعلمانيين!
إن البعض يستهين بهذا النوع من الأدب، غير مدرك أنّ الطفل في مراحل نموه المختلفة يتدرّج من تشخيص الأشياء ومخاطبتها وتخيل أنها تتكلم، في حالة من عدم الفصل بين الخيال والواقع، إلى الشغف بالحكايات الخيالية ـ كألف ليلة وليلة مثلا ـ إلى حبّ المغامرات ذات البطل الواحد في سنّ الصبا، حيث يحبّ البطل وينتمي إليه ويتخذه قدوة.. ستكون كارثة طبعا لو كان هذا القدوة هو (جيمس بوند) أو (أرسين لوبين) بقيمهما الغربية الفاسدة!.. هذا ما دفع د. (نبيل فاروق) إلى ابتكار أبطال يحملون قيم العروبة والإسلام، وهي خدمة جليلة ستدين له بها أجيال وأجيال.
أمّا عن الخيال العلمي، فيكفي أن أقول إن (فرنسا) احتفلت عام (2005) بمرور 100 عام على وفاة أبي الخيال العلمي (جول فيرن)، بينما أبو الخيال العلمي العربي ـ د. (نبيل فاروق) ـ بدأ الكتابة قبل هذا التاريخ بعشرين عاما فقط!
وإن شئت المزيد، أخبرك أنّ وكالة الفضاء الأمريكية (ناسا) كرّمت كاتب الخيال العلمي (هاينلاين)، الذي اعترف كثير من علماء ناسا أنّ رواياته هي السبب الرئيسيّ الذي جعلهم يتجهون إلى هذا المجال!
إنّنا متأخرون بطريقة بشعة في كلّ شيء!
بينما كان الأطفال والفتية في الغرب ينشأون على أدب الخيال العلمي الذي يحبب العلم والبحث العلمي إليهم ويخفف من جمود المواد العلمية المدرسية، كنا نحن ندفع أطفالنا إلى كراهية الكتب والعلم والمعرفة في مدارسنا العقيمة ذات المدرس ضحل العلم والخيال ذي العصا والمعرفة السبورية لا المعملية، ونسمّم نفوسهم بأفلام الأحضان والقبلات وسيقان العاريات وبلاهة إسماعيل يس!!
وتستغربون لماذا ما زلنا متأخرين عنهم إلى الآن؟!!
عموما، لقد كنت أسعد حظا أنا وجيلي ولله الحمد.. لقد وُلدت فوجدت لديّ أدب خيال علمي عربيا، وتراكما من الأدب العربي وقاني من الصدمة الحضارية.. كان لديّ (نبيل فاروق) و(أحمد خالد) و(رءوف وصفي) و(مصطفى محمود) و(توفيق الحكيم) و(ألفريد فرج) و(محمد عبد الحليم عبد الله)..... إلخ.
وكان هذا كافيا لأجد ما أقرؤه بالعربية دون أن أضطر إلى القراءة بالإنجليزية أو الفرنسية، أو حتّى البحث عن المترجمات.
لكن هذا لم يكن كلّ شيء..
فللأسف، كثير من الكتّاب العرب من الأجيال الأولى الذين احتكوا بالغرب مباشرة وهم في أوجهم ونحن في حضيضنا، كانت الصدمة الحضارية قد صرعتهم، وانبهارهم بالغرب ولّد لديهم احتقارا للذات بدلا من أن يكون حافزا لتطوير الذات، ولم يروا حلا إلا في نسف قيمنا لتغييرها بالكامل إلى قيم الغرب، حتّى لو اصطدموا في سبيل ذلك بالدين والشريعة الإسلامية وقيم المجتمع وأخلاقه وعاداته!
لقد سقط بعضهم بالضربة القاضية، وبعضهم كان يترنح، وآخرون تماسكوا نوعا لكن تورمت أعينهم وشاهت رؤيتهم، فتعثروا بحصاة هنا أو هناك!
مثل هؤلاء كانوا كفيلين بتسميم فطرتي وتشويه عقلي مبكرا أنا وكلّ من يقرأ لهم.. ولكن أيضا، حماني د. نبيل ـ خصوصا ـ من تأثير هؤلاء.
أظنكم تعرفون الآن كيف حمتني كتابات د. نبيل من العلمانيين، كما سبق أن أوضحت.. ولكن لا مانع من مزيد من الإسهاب.
خذوا مثلا على ذلك: حينما حاولت قراءة نجيب محفوظ وعمري 14 عاما لم أستسغه مطلقا، وما زلت أمقت أسلوبه حتّى الآن!
ستقولون: يا للهول!.. يا للكارثة!.. يجب حرق كتابات (نبيل فاروق) لو كانت هي السبب في هذا حقّا!
ولكني أرى أن ما حدث كان منطقيا.. فبالرغم من أن د. (نبيل فاروق) يكتب بلغة قياسية متوسطة البلاغة، وانفعالات شخصياته كاريكاتورية فعلا ومبالغ فيها، فإن كتاباته ممتعة بحقّ، وأروع ما فيها هو العقل والعلم والتفكير المنطقي، وهذا شيء لو وضع أمامه معظم الأدب العربي الحديث لفضّلته عليه جميعا.
كتابات د. (نبيل فاروق) علّمتني كيف أفكر، وأحلّل المشكلة، وأضع كلّ الاحتمالات وأفنّدها، وأبحث عن المعلومة الصغيرة الناقصة لتكتمل الصورة، وأستبعد الأمور المستحيلة لتتبقى الحقيقة مهما كانت غرابتها.. لا تنسَوا أن رواياته الأولى في (ملف المستقبل) و (ع×2) وألغاز (زووم) كانت من طراز "من فعلها؟".. بل إن روايات (رجل المستحيل) لا تخلو من التفكير المنطقي، وكنت دائما أستمتع بكيفية إيجاد (أدهم صبري) للثغرات في النظم الأمنية التي تبدو حصينة.
وقد أحببت ألغاز هذا الرجل ولم أحبّ (أجاثا كريستي).. تفسيرها دائما كان مفاجئا ولا يمكن أن أصل إليه بأدلة محايدة بدون قفزات.. أما مع (نبيل فاروق)، فقد كنت أتحدى نفسي لاكتشاف اللغز مع البطل، وأحيانا كنت أنجح.. وحتّى حينما أفشل، كنت أجد أن الدليل منطقي فعلا، لكني لم أستطع اكتشافه.
(نبيل فاروق) دفعني لأذهب إلى المكتبات لأقرأ في علوم الفضاء والذرّة، وأحببت بسببه مناهج الفيزياء والكيمياء، ومناهج اللغة العربية التي كنت أمقتها بسبب إجباري على حفظ البلاغة وما شابه دون أن أتذوقها، قبل أن تجعلني هذه الروايات أعيش اللغة العربية كلغة حية لها ذكريات ومواقف أحبها وتملأ وجداني، فبدأت أتذوقها.
نعم: اللغة التي ندرسها في المدارس لغة ميتة، وأفضل طريقة لتحويلها إلى لغة حية هي معايشتها.. إن لم يكن بالحديث بها في الواقع، فعلى الأقلّ بمشاهدة الكثير من المسلسلات الناطقة بالفصحى، وقراءة الروايات الممتعة التي كتب حوارها بها.. وبهذا تتكون في الذهن حصيلة من المواقف بهذه اللغة، بدلا من أن تحتل العامية مساحة الذهن كلها.
لن أملّ من أن أكرر أنّ المخّ البشري جهاز قائم على التدريب والتمرين واختزان الخبرات لاستلهام القوانين منها إحصائيا.. بهذه الطريقة يكتسب الإنسان المهارات اللغوية والفكرية بالاحتكاك والمعايشة دون الحاجة إلى تلقينه القواعد.
وقد كانت روايات د. (نبيل فاروق) بالنسبة لي هي هذا التدريب والتمرين والخبرة، والعالم الافتراضيّ الذي تعلّمت فيه منهجية التفكير وقيمة العقل والعلم والمعرفة، وجمال اللغة العربية، وروعة البطولة والمثل العليا.
نعم.. كلّ هذا معا!
فبدلا من أمضي مرحلة نشأتي مع بطل مخمور مفتون بسيقان عارية، قضيتها مع بطل في المخابرات العلمية، وطبيب نفسي، وخبير في الأشعة، وخبيرة في الاتصالات، وطبيب شرعي، في تحديات عقلية وعلمية متصلة لحلّ الألغاز التي تواجههم ونصرة الحق.
وبدلا من أن أضيع فورة نشاطي الذهني في القراءة عن قمصان النوم، ومن خلعت وماذا خلعت بحثا عن حريتها من الفضيلة، ومساواتها بالساقطات، كنت أقرأ اسم أينشتين والنسبية وأشعة الليزر وأشعة إكس والثقوب السوداء والمادة المضادة والاستنساخ و... و...، مما جعلني أُقبل على مناهج الفيزياء والكيمياء والأحياء بشغف هائل، لمعرفة التفاصيل الكاملة لهذه الأمور، وأذهب إلى المكتبات بحثا عن المزيد.. كما صرت أحبّ النحو والصرف وأحفظ مفردات اللغة العربية، التي عشقتها عبر هذه الروايات.
لقد فعل د. (نبيل فاروق) في الأدب العربي شيئا يستحق أن يمنح عليه أرفع الأوسمة:
لقد جعل العقل ممتعا.. جعل التفكير لذة.. ربط العلم بمغامرات شيقة يحبها كلّ من يقرؤها، وكتب في ذلك بغزارة منّ الله عليه بها، وفي أجواء عربية وبلغة عربية سليمة.
لكلّ هذا ازداد تفوقي دراسيا بعد قراءتي رواياته وكنت الثاني على محافظة دمياط في الشهادة الإعدادية لأول مرة في تاريخ قريتنا، وبسببها فضّلت الهندسة على الطب ـ رغم معارضة أهلي، ورغم أنه لا توجد في مصر كليات هندسة حقيقية أصلا!! ـ وبسببها كتبت الأدب، وهو ما غيّر مسار حياتي تغييرا مفزعا!
دعوا د. (أحمد خالد) يتولّى الكلام عنّى هنا، فكلماته هذه ـ التي يلوم بها تجاهل النقاد لأدب الشباب ـ تلخص ما أصاب أهلي بسبب (نبيل فاروق):
"هناك رجل يغير فكر العالم العربي بأكمله عن طريق التأثير في الشباب.. وهذا الشباب يكبر ويتولى مناصب قيادية فيما بعد.. هذا الرجل يدعى (نبيل فاروق).. فهل تطوع أحدكم بمعرفة ما يقول؟.. من حسن حظ الآباء أن (نبيل فاروق) هو (نبيل فاروق)، المؤمن بالبطولة والدين والعروبة.. لو أن (نبيل فاروق) يدعو إلى الجنس والإلحاد لما شعر أحد ولوصلت رسالته كاملة"
مع تنويه صغير: أهالينا لا يعانون مشكلة من وضع أطفالهم أمام التلفاز والفضائيات التي تنقل لهم ما ذكره د. أحمد!.. لكنّ مشاكلهم تبدأ حينما يتسبب (نبيل فاروق) في صناعة شخص يفكر، ويا لها من كارثة تحيل الحياة إلى جحيم!!

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

ملحوظة: يمكن لأعضاء المدونة فقط إرسال تعليق.

صفحة الشاعر