برجاء تسجيل الإعجاب بالصفحة لتصلك كتاباتي على فيسبوك

المتابعون للمدونة

الثلاثاء، 31 أغسطس، 2010

الشـهـــــــدُ الـمـُــــــرّ


الشـهـــــــدُ الـمـُــــــرّ

(أعلنتُ الحبَّ عليكِ) وليسَ لقلبِكِ منّي أيُّ مَفَرْ
يا أفتكَ رمحٍ في قلبي، يا شهدا في ثَغري مُرْ
زيدي في عَنْدِكِ وغرورِكِ، واستغشي أثوابَ الهجرْ
فسأقتحمُ منامَكِ قَسْرا، كي أحملَكِ معي للبدرْ
وأصوغَ النجماتِ لآلئَ من أجلِكِ لِتَزِينَ النحرْ
وأعطرَكِ بطِيبِ النجوى، وأزيّنَ شَعرَكِ بالزهرْ
وأراقصَكِ على الغيماتِ وأرشفَ من عينيكِ الخمرْ
وأضمَكِ في مِخملِ صدري ساعاتٍ، أياما، شهرْ
أهمسُ في أُذْنِكِ ـ ناعسةً ـ بأغاني مملكةِ السِّحرْ
وأقصُّ عليكِ مدى شوقي وحنيني، يا حُلمَ العمرْ



(أعلنتُ الحبَّ عليكِ) وليسَ لقلبِكِ منّي أيُّ مفَرْ
يا صبارا يسكنُ حِضني، يا تعذيبا ليسَ يمرّْ!
سوف أجيئُكِ حينَ شرودِكِ، أسكبُ في شفتيكِ الشِّعرْ
أرسمُ في عينيكِ الشوقَ، وأنزِعُ من مهجتِكِ الصبرْ
وأصبُّ اللوعاتِ الحَرَّى في قلبِكِ وأزيدُ الجمرْ
كي تأتيني لَهْـفَى توّا، تبكينَ دموعا كالدرْ
فأسامحَكِ بطرْفةٍ عينٍ، وأُعيذَكِ من ظلمِ الهجرْ
وأكفكفَ دمعَكِ بدموعي، تغسلُ أحزانَكِ كالنهرْ
وأعاهدَكِ بأني مِلكُكِ، فاختاري ما شئتِ المَهرْ
كي أعلنَ للعالمِ أجمعَ: أني حُزْتُ عروسَ البحرْ

(أعلنتُ الحبَّ عليكِ) وليسَ لقلبِكِ منّي أيُّ مَفَرْ
فَتَوَخَّيْ حِذْرَكِ من قلبي، إني أتربصُ كالصقرْ
أتصيدُ بسماتٍ خجلى، وأطاردُ أشذاءَ العطرْ
وعلى أحلامِكِ أتلصّصُ وأسائلُ أنسامَ الفَجرْ
منتظرا أن أقنصَ قلبَكِ من بينِ ضلوعِكِ وأفِرّْ
فأقيمي كلَّ متاريسِكِ، وأحيطي قلبَكِ بالصخرْ
لن يُوهنَ شيءٌ من عزمي، سأظلُّ على العشقِ أُصِرّْ
حتى تستسلمَ نبضاتُكِ وتكوني لي أبدَ الدهرْ
فيُتوَّجَ حبّي في قلبِكِ وترفرفَ راياتُ النصرْ
وأضمَ الأنسامَ بصدري وأقبّلَ أوراقَ الزهرْ
محمد حمدي غانم


الأحد، 29 أغسطس، 2010

جمــــود


جمــــود

تسحقني ملايين الأشكال المعتادة.. لطالما تسخر منّى الجلاميد!
قولي ما يعتمل في نفسك ضدّي، لأنّني في لحظة ما سأنفجر من صمتك البغيض.
متى أتحرّر من حدود الأشياء القديمة؟
متى أنطلق إلى نَواحٍ لا تحدّدها ملامح ولا ذكريات؟
متى يمكن أن تكون ذكرى واحدةٌ مبهجةً فقط، دون أن تكون مثيرةً للشجن ذاتَ الآن؟
الوقت اللزجُ اللذيذ القاتل؟!
متى؟
إنّه سجن أبديّ يحدّد معالم الحياة..
إنّها هكذا لأنّها هكذا..
ولكنّنا لا ننفكّ نشرد بأعيننا إلى ما وراء الزجاج القاتم المعتم..
يشغفنا البرق الذي يلمع أحيانا خلفه، فيلذع قلوبنا برغبة جامحة في تكسيره، والانطلاق دونه إلى هناك..
هناك..
هناك فلا تعود تسحقنا الأشكال والجلاميد!

محمد حمدي ـ 1996


السبت، 28 أغسطس، 2010

الحب يجرح أحيانا


الحب يجرح أحيانا


كانت تنظر له نظرة عدم تصديق، والدموع التي تترقرق في عينيها تنِمّ عن خيبة أمل قاتلة.. سألته بصوت مشروخ:
-       لماذا جرحتني؟
استجمع نبرات حروفه من غُصة تؤلمه وغمغم في عجز:
-       لقد خلقتُ لأجرح!
-       ما أسهلَ أن نلوم أقدارنا.
-       لا ألومها.. أنا فقط أخبرك بالحقيقة.
-       الحقيقة أنك خدعتني.
-       أنتِ خدعتِ نفسك.
-       أنا؟!
-       خيالكِ غرّر بك.
-       خيالي أم اصطناعُك؟
-       لم أصطنع شيئا.. كنتُ أعبر عن جزء من نفسي.
-       وحجبتَ عني جزءا آخر.. جزءا يدمي!
-       حجبه عنك فُتونك.
-       أنت فتنتني.. أنتَ خدعتني.. جعلتَ من نفسك ملاكا أروع من أن أقاوم فُتوني به.
-       [هاكما] ألم تعلّمكِ الحياة يوما أن الملائكة لا تحيا في عالمنا؟
-       ظننتُك الاستثناء الوحيد.
-       [متنهدا] ألم أحذّرْكِ؟
-       [بتردد] ربما.. لكني خِلتُه نوعا من التواضع منك!
-      [بسخرية] تواضع الملائكة؟!!.. لا فائدة.. لا أحد يرى إلا ما يريد رؤيته.. ما أقتلَ التبرير!
-       [بغضب] وأنتَ، ألا تبرر الآن؟
-       بلى.
-       إذن تعترف؟
-       [باستسلام] نعم.
-       [بنظرة مندهشة] هكذا ببساطة؟!
-       [ببسمة باهتة] نعم.
-      هل خداعي وجرحي لديك بمثل هذه البساطة؟
-      [بشجن] الحياة أبسط مما تتخيلين.. آلامنا أتفه من شرود الغروب، وصراخنا أخفت من هدير البحور، وأحلامنا شموع تنطفئ آلاف المرات في أعمارنا القصيرة.. ماذا في نظركِ يستدعي التعقيد؟.. غرورُنا؟
-       ها أنتَ ذا تحاول تخديري بكلماتِك الغريبة من جديد!
-       وهل سأنجح؟
-       [بتلعثم] ربما.. أنت تعرف نقاط ضعفي!
-       وهل أعرف عيوبك؟
-       عيوبي؟
-       أتَخْلِينَ من العيوب؟
-       حتما لا.
-       وهل أعرف أنا هذا؟
-       [بعد لحظة تردّد] أجل.
-       ورغم ذلك أحببتُكِ وما زلت.. أليس كذلك؟
-       [سالت دموعها] بلى.
-       فلماذا أحب عيوبَك؟
-       تحب عيوبي؟
-       أجل.
-       فأخبرني أنتَ لماذا؟
-       لأنها عيوبك.. لأنها أنت.
-       [باستخفاف] أساطيرُ شعراء.
-       بل أحاديثُ عقلاء.
-       أفدني.
-       أليس من نقصنا ينبع سمونا، حين نتعالى لننشد الكمال؟.. ألسنا ذلك السعيَ الدائب على درب التجرِبة والخطإ والتعلم؟.. ألا تبدينَ في غاية الفتنة وخداكِ متوردان خجلا وعيناكِ تلوذانِ برموشهما مهابةَ مواجهتي بهفواتك؟.. ألا تبدينَ كقطة صغيرة بديعة وأنتِ تتكومين في صدري تستدرّينَ صفحي؟.. ولمَ في نظركِ خُلِقتْ هذه الضلوع إلا لاحتوائكِ في ضعفكِ وانهزامك؟
-      [ودموعها تنهمر مدرارا] أحببتَني مثل هذا الحب؟
-      وأكثر.
-      كيف؟
-      رأيتك طفلة بريئة، يحق لها أن تخطئ ويتوجب علينا أن نتغاضى.
-       وهل تطالبني بالمثل؟
-       لم أفعل.
-       لم يكن ممكنا حتّى لو فعلت.. أنتَ أحكم من أن تكون طفلا يخطئ.. أنت ملاذي وحكمتي ومرشدي.
-       كيفَ لم تَرَيْ الطفل بداخلي؟.. كان يتوقُ إلى حنانِك!
-       كنتَ تأخذ بيدي على درب الحياة، وكان عليكَ أنتَ أن تُرِيَني ما يجب عليّ أن أراه.
-       أوّاه.. ما أثقلَ المسئولية!
-       تتنصل من مسئولياتك؟
-       لا.
-       ولكنكَ خذلتَني.
-       أنتِ حمّلتِني ما لا طاقة لي به، ورفعتِني إلى حيث خنقني نقص الهواء وأحرقني دُنوّ الشمس!
-       لقد توقعتُ منكَ ما أبديتَه أنت.
     لقد فَتَنَكِ العسل، فتصوّرتِ حوريةً تصنعُه من رحيقِ أنفاسِها ودموعِ خشوعِها.. لكنّ العسل تصنعُه نحلةٌ لا حورية.
-       وأنتَ هذه النحلة؟
-       ماذا تَرَين؟
-       إنّك وسيم.. لستَ قبيحا مثلها!
-       لكنّني ألسع مثلها!.. لقد خُلقت لأجرح مثلما قلت لك!
-       ولماذا يجب أن تكون هكذا؟
-       هل لمتِ نحلةً من قبلُ على كونِها قبيحة أو أنها لسعتك؟
-       لا.
-       فلِما؟
-       لم يكن يعنيني أكثرُ من عسلها.
-       كان يمكنكِ أن تكتفي مني بشعري!
-       ولكني أردتُكَ كلَّك.
-       الشوكُ بعضي، لهذا أدماك حِضني.
-       تخيّلتُ أني أستطيعُ قصفَ شوكك!
-        لهذا رحتِ تطعنينَني بكلِّ حماس!
-        لم أهدف إلى إيذائك.. كنت أظن أنني أجعلك أفضل.
-       [بتهكم] وماذا تَرَيْنَ الآن؟
-       [بعذاب] لم تعُدْ أنتَ أنت، ولم أعد أنا أنا!
ابتسم بشجن وأشاح بوجهه ولم يُعقّب.
وتركته وابتعدت في مرارة.
***
صفعتها الريح في تلك الليلة الباردة، فسَرَت في جسدها رجفة شديدة.
رآها ترتعش فرقّ لها.. فَرَدَ لها ذراعيه في حنان فترددت لحظة.. استحثّها بابتسامة صفح، فاقتربت منه بخطوات بطيئة، لتسكن في حضنه وتستكين، فيحتوِيَها بجوار قلبه في حب..
وسْطَ دفءِ صدره..
ووسْطَ الأشواك!
***
محمد حمدي غانم
15/12/2006



الجمعة، 27 أغسطس، 2010

لســت كمــا تحلمـيـن


لستُ كما تحلُمين..
فلا ثغري نايٌ شجيٌّ، ولا قلبي كوخُ راهبٍ يغزلُ تراتيلَه.
أنا فقط عينانِ يملؤهما الشرر، يستمدّانِه من نارٍ عظيمةٍ تأكلُ جنباتي.
وتسمّينَ الشررَ نورا؟!!
كيفَ إذن لمْ تَرَيِ الدُّخانُ الّذي يتصاعدُ من بينِ آهاتي.
كيفَ لم تسحبي كفَّكِ مسرعةً حينما لامسَتْ كفّي؟
لماذا تصرّينَ على أن تتوهي في غاباتِ نفسي؟
على أن تقطعي دروبَها وحدَك، في جوٍّ ضبابيٍّ عاصفٍ راعد، مليءٍ بالصواعقِ والنيرانِ والبردِ والمطرِ والحَيْرةِ والضياع؟
ماذا تُغْني عنكِ أغنياتي الخافتة، وسْطَ الصرخاتِ واللعناتِ وصلصلاتِ السيوف؟
انزِعي نفسَكِ منّي، قبلَ أنْ تصيري مجرّدَ شمسٍ يأكلُها ثقبٌ أسود.
مهما كانت ضخمة.. مهما كان ضئيلا.. فمصيرُها الفناءُ فيه.
فلا هي أضاءتْه، ولا هو منحَها إلا العدم.
*****
لستُ كما تحلمين.
افركي عينيكِ فقط، ولن تعودي تَريْنَ في همسي حكاياتِ النهرِ لأزهارٍ ولهانة، ولا في صمتي غفوةَ البنتِ الحُلوةِ ذاتِ الضفيرةِ على صدرِ دُميتِها الصغيرة.
اصفعي وجهَكِ ببعضِ ماءٍ بارد، فقد يزولُ من رأسِكِ أثرُ كأسِ أحلامِ الأمس.
حينها ستنظرينَ إليَّ في دهشة، سَرعانَ ما تتحوّلُ إلى خوفٍ برّيّ، يجعلُكِ تتراجعينَ متخبّطةً غيرَ مصدّقة، حتّى تُلامسى جدرانَ عَلاقتِنا العنكبوتيّة.
حينَها لن أندهشَ كثيرًا لو ولّيتِ أدبارَ الفرار، فأنا نفسي أخافُ نفسي، أكثرَ ممّا تخافينَها أنت.
*****
آه!
إنّكِ ما زلتِ هائمة، تنظرينَ إليَّ تلكِ النظرةَ المُخدّرةَ الّتي تقتلُني.
أفيقي قبلَ فواتِ الأوان.
قبلَ أنْ تكتشفي أنّكِ كنتِ طيلةَ الوقتِ تحتضنينَ ذئبًا غافيًا، لا يمكنُ أن يرى فيكِ إلا عُصفورةً لا تُشبعُ أبدًا خواءَه.
كيفَ تُريدينَ للحُلمِ والخوفِ أن يجتمعا؟
*****
أفيقي لستُ لك.. ولستِ لي.
كلٌّ منّا اتجاهٌ مضادٌّ لرحلةٍ لا تنتهي.
قد تكونينَ حقًّا كلَّ ما أتمنّى.
ولكنّي أبدًا لستُ كما تحلمين.
*****
محمد حمدي غانم ـ 1997


الأربعاء، 25 أغسطس، 2010

مَـنْ أنـتِ؟


مَـنْ أنـتِ؟

مَنْ أنْتِ؟
أيّةَ أحْلامٍ كوَّنْتِ؟
في أيِّ متاهاتٍ تُهْتِ؟
هاتانِ العينانِ النَّجْلاوانِ كبَدْرٍ مُبْتسمٍ للدّنيا: ماذا رأتا؟
ماذا يَمْنحُ عينيكِ البهْجةْ؟
ماذا يسْكُبُ في عينيكِ الدّمْعةْ؟
كيف تُراوِدُ عيناكِ الأشْياءْ؟
هلْ يصبُغُ سِحْرُهما الدنيا؟
لو كنتِ تَرَيْنَ الدنيا من عينيكِ النَّجْلاوينِ، فأنْتِ تَرَيْنَ الجنّةْ
هل أنا في الجنّةْ؟
....................
كيف تُحسّينَ الأشْياءْ؟
ما معنى زقْزقةِ العُصْفُورْ؟
ما معْنى الزّهْرِ المنْثورْ؟
ما معْنى البسْمةِ والدّمعةِ والآهةْ؟
الفكرةِ واللّوْثةِ والصّمْتْ؟
كيفَ تُحسّينَ صريرَ الأقْلامِ على الأوْراقْ؟
حَدْبَ الكَلِماتِ على الأشْواقْ؟
كونَ الأشْعارِ بلا آفاقْ؟
ورحيلَ الدّمعِ على الأحْداقْ؟
ورحيلَ الدّمعِ عنِ الأحْداقْ؟
....................
كيفَ تُراوِدُكِ الأحْلامْ؟
كيفَ تَريْنَ العُصْفُورينِ المُشْتاقيْنْ؟
كيفَ تَريْنَ السّوسنتينْ؟
دِفءَ الخُطْوةِ في كفّيْنْ؟
لَمْعَ طُموحٍ في العينينْ
والمسْتقْبلُ بينَ وبينْ؟
....................
كيفَ تَريْنَ اليومَ القادمْ؟
هل تبكينَ إذا ما جاءَ اليومُ القادمُ يطوي عُمْرًا مثْلَ الوهْمْ؟
أمْ تَلْقَيْنَ اليومَ القادمَ ضاحكةً
كي يُعْطيَكِ مزيدًا مِنْ دُرَرِ الخِبْراتْ؟
كيّف تُحسّينَ اللّحَظاتْ؟
السّجْنَ الأبديَّ المُتحرِّكَ لا تَحْويه حدودٌ أو جدْرانْ؟
هل يمضي زَمَنُكِ أمْ يتوقّفُ عنْدَ دموعِ المظْلومينْ؟
عنْدَ عَناءِ المقْهورينْ؟
عندَ غرورِ الجبّارينْ؟
هلْ يسْمعُ قلْبُكِ نبْضَ الصّخْرةِ حينَ تُسبّحُ باسمِ اللهْ؟
هلْ يَهْوِي قلبُكِ من آفاقِ الشّلالاتْ؟
هل يَرْكبُ أجْنحةَ الحَشَراتْ؟
هلْ يَنْسِجُ أضْواءَ النَّجْماتْ؟
هلْ غنّى يومًا مع بُستانِ الكَرْمْ؟
 وتسلّلَ مع فِئرانِ الحقْلْ؟
وتناغمَ في كلِّ الأشْياءْ؟
....................
هلْ أنْتِ الكونْ؟
هل شَعْرُكِ طولُ الليلْ؟
هل شَعْرُكِ لونُ خفافيشِ الحقْلْ؟
هل شَعْرُكِ نَشْقُ عبيرِ الأرْضْ؟
هل شَعْرُكِ مثْلُ القَزّْ؟
هل ثَغْرُكِ تصْبُغُه الأحْلامْ؟
هل ثَغْرُكِ أنهارُ الأشعارْ؟
هل وجْهُكِ مثْلُ ضياءِ البدْرْ؟
....................
هل عقلُكِ مصْنوعٌ من كلِّ حكاياتِ التاريخْ؟
هل دمُّ عُروقِكِ يتجمّعُ من دمِّ جميعِ الشّهداءْ؟
هل عمرُكِ عمْرُ جميعِ المخْلوقاتْ؟
هل أنتِ الدمعةُ والبسمةُ والآلامْ؟
أمْ أنتِ فقطْ: أنْتِ؟!
عينانِ كعينيكِ؟!
شَفَتانِ كشفتيكِ؟!
وجْهٌ لا تعْرفُه إلا المرآةْ؟!
ثغْرٌ تَخْنُقُه أدواتُ التّزييفْ؟!
عمْرٌ مَهدورٌ في آنيةِ الطّهْيِ وفي قصصِ الحمقى في التلفاز؟
تكْرارٌ بشريٌّ حجريٌّ يُكْملُ أُبَّهَةَ الأطْلالْ؟!
وهْمٌ وملامحُ إنْسانْ؟!
....................
أرْجوكِ أجيبي
أحْتاجُ لأنْ أرْتاحَ لأتْركَ قلبي بينَ يديكِ
أحْتاجُ لأنْ أهْواكِ كما أهْوى عينيكِ
أتشوَّقُ أنْ أقْرأَ عقْلَكْ
أنْ أغْرَقَ في دنيا قلبِكْ
أنْ أعْرفَ مُسْتَغْلِقَ سرِّكْ
أحتاجُ لأنْ أصْبحَ لُغْزَكْ
كيفَ تصوغينَ الدّنيا؟
كيفَ تعيشينَ الذّكْرى؟
كيفَ تُحبّينَ الآتي؟
مَنْ أنتِ لكي أمْنحَكِ حياتي؟
مَنْ أنتِ؟

محمد حمدي غانم
1998
(نشرت بديوان انتهاك حدود اللحظة)


الثلاثاء، 24 أغسطس، 2010

إذا لم تستَحْيِ فاصنع ما شئت


ذات يوم منذ عدة سنوات كنت أستقل الحافلة من دمياط إلى القاهرة، وكان مما يزيد من وعثاء السفر بالنسبة لي الأفلام العربية التي يتم عرضها في الفيديو في الحافلة، فهذه وسيلة سفر عامة فيها أطفال ونساء وفتيات جامعيات، والمشاهد التي تعرضها أفلامنا المصرية تخدش حياء من لا حياء له أصلا، فما بالك حينما تجد نفسك تشاهد فيلما كل مشاهده من هذه النوعية؟!.. ويزداد الطين بلة حينما تجد نفسك تجلس بجوار فتاة، فلا تدري أين تجد مهربا من هذا الحرج!
ومن المؤسف، أنني كنت دائما الوحيد الذي يذهب إلى السائق لتغيير الفيلم، ولو لم أتحرك أنا فلا أحد يتحرك مطلقا!.. كبيرا أم صغيرا!.. ووجه الأسف أنني مع الوقت شعرت بالإحباط، ولم أعد أستطيع أن أواصل الحرث في البحر إلى ما لانهاية!
لقد تبلدت مشاعر الشعب المصري من فرط الأذان في مالطة، وصار الجميع ساكتين، سواء رضوا أم سخطوا!
وكان أكثر ما يفزعني دائما هو سؤال: وماذا لو انقلبت الحافلة بنا الآن ونحن نشاهد هذا السفه؟
***
في ذلك اليوم الذي لا أنساه، كان الفيلم الذي يتم عرضه يدور حول العجز الجنسي!
ليس مشهدا فاحشا، ولا اثنين.. بل كل الفيلم وقضيته تدور حول هذا الموضوع المحرج، ولا توجد لقطة غير فاضحة!
وغلى الدم في عروقي، وذهبت إلى السائق وطلبت منه أن يخلصنا من هذا الفيلم، لكنه ولدهشتي أصر باستماتة على عرض الفيلم، رغم أنه ـ كسائق ـ لا يتابعه.. واحتدم الحوار بيننا، وكانت حجته أنه لا يحق لي أن أفرض رأيي على الركاب!!!
ولأني أعرف أن الشعب المصري لا يفتح فمه بكلمة، فقد استدرت إلى الركاب وسألتهم إن كان واحد منهم يريد مشاهدة الفيلم.
وكما توقعت لم يفتح أحد فمه بكلمة، لهذا كررت السؤال في ثقة، استعدادا لأن أجبر السائق على إيقاف الفيلم.
لكني فوجئت بشيء لم يكن في الحسبان، فقد أجابتني هذه المرة.. امرأة!!
نعم.. امرأة تغطي شعرها في حوالي الخامسة والثلاثين من عمرها، سألتني في بجاحة:
-       وماذا في الفيلم؟
فأجبتها بأنه غير محترم، فقالت لي في صفاقة:
-       إذا لم يكن الفيلم يعجبك فلتغمض أنت عينيك!
وضحكت ضحكة كريهة معجبة بذكائها!
وأرتج علي وأنا أشعر بذهول، وإحباط جعلني لا أواصل الجدل.. فالموقف كان عبثيا إلى أقصى حد!
أنا الشاب المراهق أطالب بتغيير الفيلم حرصا على حياء النساء، لأجد واحدة منهن هي التي تمنعني عن ذلك!
ووجدت أنه من السخف أن أجادلها.. لقد ضاعت القيمة التي أجادل من أجلها أصلا، ولم يعد هناك ما يقال!
وحتّى إن كان هناك حق لباقي النساء، فقد أضاعه صمتهن وصمت رجالهن، فحتّى تلك اللحظة لم يفتح أحد الركاب فمه بكلمة!
لهذا قلت لنفسي:
-       حقا.. إذا لم تَستَحْيِ فاصنع ما شئت!
وانسحبت وأنا أشعر بمرارة هائلة، لم تفارقني إلى اليوم!
مرارة تعاودني وأنا أشاهد كل أب يقتل أخلاق طفلته الصغيرة بمشاهدة الأفلام والمسلسلات والأغاني المصورة والإعلانات التي تذهب بحيائها، وبدون أن يطلق حتّى كلمة استنكار واحدة تساعدها على تمييز الحلال من الحرام والعيب من اللائق!
مرارة تعاودني حينما أشاهد كل كاسية عارية تعرض لنا مفاتنها بنقود زوجها أو أبيها الذي رباها على أخلاق الراقصات والمغنيات والممثلات!
مرارة تعاودني حينما تشاهد أحدهم بعد ذلك يصرخ مذهولا حينما يفاجأ بأن ابنته تزوجت عرفيا أو اغتصبها أحد المجرمين أو صورت نفسها عارية على هاتف محمول أو بكاميرا الحاسوب، أو طلقها زوجها بعد عام أو اثنين من الزواج، أو أن زوجته قد خانته أو... أو... أو.... في حين أن كلا منهم لا يجني إلا ما زرعت يداه، ويدفع ثمن صمته في حافلة الخرس التي يقودها قواد!
***

ملحوظة1:
لم أعد أركب الحافلات لأريح أعصابي من هذا الخبال، وبدلا من هذا صرت أركب سيارات الأجرة.

ملحوظة2:
أرجو ألا تعلق أية فتاة على هذا الموضوع، فالحياء أولى وأبلغ من أي شيء تقوله.


صفحة الشاعر